Home  /   لبنان  /   خاص – الصليب فجر القيامة الآتية

خاص – الصليب فجر القيامة الآتية
1604051220418387Ecross5

بقلم جورج عبيد –

أمس الأوّل رفع المسيحيون الأرثوذكس في كنائسهم، وفي الأحد الثالث من الصوم ، الصليب المكرّم وسط صينيّة ملآنة من الزهور تحوطها شموع ثلاث. طافوا بالصليب خلال القداس الإلهي ليقولوا وهم يستعدّون للأسبوع العظيم المقدّس، بأنّهم أهل الحبّ المفدّى، والحبّ يقوله الثالوث بالجوهر والواحد وبفداء الابن على الخشبة. لا ينظر المسيحيون المشارقة إلى الصليب على انّه مدى للفاجعة للموت، بل هو منطلق للقيامة. وبتحديد دقيق القيامة حصلت في لحظة إسلام السيّد روحه على الصليب، ولكنّ خروج المسيح من القبر كان الكلام الفصيح المقول في الوجود. الأحد الثالث وفيه سجد المسيحيون المشارقة لعود الصليب، باح لنا بأنّنا بلغنا منتصف الصيام وأننا منطلقون نحو القيامة.

المسيحيون كلّهم يجيئون من تلك الرؤية هي جزء غير منفصل عن خصوصيّتهم وفرادتها. أن يسجد المسيحيّ لصليب الرب، فهو يأخذه مع كل هجعة مع كل قيام ووقوف وقعود، لأنه ومولوده ومودوده. ليس من انفصام بين المسيح المعلّق على الخشبة وبين شعبه، وبتدقيق اكثر بين من ولد من جتبه المطعون بحربة، يتحرك فيهم ويتحركون به، إنّها حركة واحدة في جوهر المحبّة المعطاة لنا من قلب الله. لا يمكن تجسيد ذلك في الطقوس بصورة مجرّدة. فمن ذاق بهاء الخدمة ذلك الأحد سكر بها بمفرداتها، المشهد يعبر عن ذلك، فيه التماس ما بين الحقّ والخير والجمال وهي اقانيم لا تفهم فقط بالنصوص الأدبيّة أو بالفنون على أنواعها بل جزء من الله في التاريخ، وليس من تاريخ إلاّ بها. لكنّ الوقوف على عتبات الطقوس وجنباتها، وبخاصّة في الأسبوع العظيم المقدّس يجافي الحقيقة المكنونة فينا. الطقوس جزء منها ولكنّها ليست كلّها. الحقيقة أن تكون شاهدًا للمسيح في غابة الصلبان الموحشة في جلجلات كثيفة متراكمة، وليس أن تهرب من شهادة تعطى لك أكليل مجد تكلّل رأسك به كما وضع إكليل الشوك على راس المعلّم.

ما يجعل المراقب الملتزم بإيمانه بالعمق اللاهوتيّ غير مطمئنّ، أنّ المسيحيين بصورة عامة لا يتوثّبون نحو الغد المشرق، في الأصل ليس لهم أن يتوثّبوا بقدر ما يجب أن يصنعوا الغد بالإنجيل المكوّن لهم. القضيّة أننا نحيا في مصلوبيّة تنتمي إلى وجع اللحم والدم فينا، إلى وجع عبثيّ ليس فيه شيء صليب الرب حيث هو رفيقنا بالتقديس وليس بالألم. فالمسيحيّة بطبيعتها ومن بعد قيامة المسيح لا تغوص في الألم لا تقبله كمعطى إلهيّ، لكونه فيه بعضًا من موت والمسيح داسه، المسيحيون بطبيعتهم قياميون. القضيّة هنا أنّهم في هذه الدنيا وبخاصّة في دنيا المشرق العربيّ رموا بأنفسهم في جبّ أحداث عديدة، وما شاءوا أن يثبتوا أنهم ممتصون لها من باب فهمهم أنّهم موجودون ليبقوا. ليست قضيتهم سياسيّة مجرّدة. جزء منها سياسيّ بصورة وجوديّة وجذريّة، ولكن امتصاص كلّ حدث يواجههم يكون قبل كلّ ذلك بذوقنا وفهمنا بأنّ المشرق العربيّ ومن ضمنه لبنان وسوريا دعوة لنا ليكون جزءًا من إنجيلنا وليس جزءًا من رؤى متسوّلة ومتوسّلة. من كان الإنجيل كتابه ليس له أن يتوسّل او يتسوّل بل أن يقتحم يقول الوجود قولاً أن يلده من عقله وفؤاده.

كيف يكون هذا في ظلّ العواصف المحدقة بنا؟ عندنا مشكلة يجب الإقرار بها أنّ العقل عند بعض الإكيريكيين مأخوذ إلى التسطيح والجمود في مقاربته للحقائق. تلك خطورة تجتاحنا وتبدو جزءًا من أمراضنا الفاتكة بنا بعدما انعمس هذا العقل عينًا في حاجات آنية فتجمّد ببنود يدرك أن مقاربتها تكون بالتواصل الإبداعي مع الناس، بالقراءات الاستراتيجيّة للأحداث بعمقها ومعانيها بأهدافها وأبعادها، بسلوكياتها وتداعياتها، بتطوراتها وتبدلاتها، وما هي تأثيراتها على الواقع المسيحيّ العام حيث الكنيسة تشكّل قلبه وفكره وعقله، أو هكذا يفترض أن يكون. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تنكشف في بعض الأدبيات الإكليريكيّة دعوات للمؤمنين بالبقاء والصمود، ويخاطبون الدولة العاجزة في لبنان وهم مدركون انها عاجزة حتى إشعار أخر، للتصدي لواقع الأمور لتحفيز الناس على البقاء. لكنّ تلك الأدبيات في لبنان غالبًا ما تتجاهل بأننا بتنا في عصر اللادولة في عصر التحوّل “من دولة المواهب إلى دولة المذاهب” والتعبير للسفير الراحل فؤاد الترك، الفاقدة كلّ قدرة على توظيف طاقاتها لترسيخ الشباب في أمكنتهم ومعظم الشرائح الاجتماعيّة للصمود في قراهم، والتجاهل دائمًا يكون عن عمد للهروب من تحمّل المسؤوليات تجاه الناس بل تجاه الله بإنجيله، وهذا أخطر ما يواجهه المسيحيون في هذا الزمن الرديء. والطامة أنّ المؤسسات المسيحيّة بتعاطيها التجاريّ والريعيّ مع المؤمنين من دون هوادة تخرج الكنيسة من هالتها الرساليّة أو الرسوليّة إلى محطّة تشبه بحدود بعيدة استهلاك الهيكل من الصيارفة والباعة فحولوه إلى بيت تجارة وما هو سوى بيت صلاة، ترى لو كان المسيح في هذا العصر اما كان قد فجر غضبه بوجه هؤلاء وجدل سوطًا وطردهم منه؟ ما يؤلم المؤمن المتابع بأنّنا الكنيسة المسيحيّة بمذاهبها كافّة قد دخلت عصر العجز والترهّل في مقاربة العناوين الوجوديّة، وفي الوقت عينه يستعذب بعض أمرائها عصر الاستهلاك وقد تحوّلوا من السعي إلى القداسة إلى السعي خلف مصالح آنيّة.

رسالة البطريرك والأسقف والكاهن، أن يبقوا غسلة أرجل كما شدّد المطران جورج خضر غير مرّة وهو على حقّ. النخب المسيحيّة على تعدديتها وعلى مختلف مذاهبها، وفي ظلّ ما يكتنفنا من عواصف مدعوّة لقراءة تقييميّة ليس للفكر الدينيّ، ذلك انّ الفكر الدينيّ يحاكي العصور وقد يحتاج في بعض منه إلى تطوير أسلوبيّ وليس في المضمون، بل للعلاقة بين الكنيسة والناس، والكنيسة والمال، الكنيسة والأرض. إنّها علاقة مثلّثة الأضلاع تحكي الوجود وتنطلق من الإنجيل عينًا لتسكبه في التفاصيل وتصقل بها الناس وتشدهم نحو النور المتدفق من عينيّ المخلّص. تلك العلاقة في مسراها الطويل تعيش عطبًا كبيرًا بعدما جوّفت من الحقيقة المطلقة، فالعلاقة بين الكنيسة والناس لا تقف عند هذا المفهوم بأنّ الناس هم الكنيسة، ولم يفقه المؤمنون تاليًا أنهم جزء من كنيسة الربّ بالالتزام الحقّ بالممارسة الفعليّة بالعودة إلى الينابيع، بالولادة الدائمة والمتجدّدة من الكتاب العزيز، والعلاقة بين الكنيسة والمال تظلّ دومًا ملتبسة لأن المعلم الإلهي قال لا تعبدوا ربين إمّا الله او المال، وفي الخطاب الإلكيريكي الظاهر بون واضح بين القول والفعل، القول ملازم للفقراء والمحتاجين للمرميين في الأقبية والبؤس والشقاء أما في الفعل فالمؤسسات المسيحية طبيّة كانت أو تربويّة وجدت للميسورين والأثرياء.

الصليب قائم في هذه الآلام المبرّحة. رفع يوم الأحد في الكنيسة، على رجاء أن نسجد للآلام الرهيبة في الأسبوع العظيم المقدّس، يكمّل المسيحيون الشرقيون صيامهم، يعيشون في روضة يمتزج فيها الألم بالأمل، لا نبتغي الألم لأننا لسنا عشراءه، نحن عشراء القيامة. المسيح شفى أمراضنا كل تاريخه قائم على شفاء المرضى وإنهاض الموتى، كل تاريخه مواجهة العبثيّة في دنيانا، لقد شلح نفسه في بؤرة الموت حمل عاهاتنا ومعاصينا حتى لا نتوجّع. ليس عندنا ألم عندنا شفاء وضياء، سيكمل قومي المسيرة ابتغاء الرضى الإلهيّ، والمسيرة محفوفة بشقاء ما نعيشه من حروب ومحاولات اقتلاع. كلّنا معنيون، الكنيسة والنخب والناس معنيون، جسد المسيح هو نحن ونحن هيكل الله وبنيانه، والجوهر ان نشعر بذلك حتى لا يسهل اقتلاعنا من هنا.

نكمل المسيرة برجاء، والرجاء الكبير أن نلتزم كمسيحيين توقيتًا واحدًا للعيد لنقف وقفة واحدة أمام صليب الرب وفي قيامته، لأنّه حبيبنا بوحدتنا كما هو والآب واحد. بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم، بالصليب قد حصلت القيامة للجميع، إنه فجرها المضيء.    

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *